أبو نصر الفارابي
67
الجمع بين رأيي الحكيمين
قولنا : الانسان يمشي . فان هذا هو لفظ دال الّا انه مركب ، والكلام فيه هو في الكتاب الثاني « 1 » . ويستمر المترجم في تحليل معنى « المقولات » وفائدتها في البرهان . كما أنه يذكر انه جاء ان لأرسطو كتابا في « المقولات » ، ينسب اليه ، وانه مختصر للكتاب الأول . وانه قد زعم البعض ان هذا المختصر ليس لأرسطو لمخالفة آراء فيه رأي أرسطو . فمما جاء في هذا المختصر « ان الجواهر المحسوسة أوّل ، والأجناس والأنواع جواهر ثواني ، وزعموا ان هذا مخالف لرأي أرسطو . . . ومن ذلك أنه جاء في هذا المختصر ان أنواع الحركة ستة : الكون والفساد والنمو والنقص والاستحالة والنقلة . وفي « السماع الطبيعي » بين أرسطو ان الحركة تلحق ثلاثة أجناس فقط وهي : الكم والكيف والابن . ويخرج الكون والفساد من أن يكونا حركة وان كانا لا يتمان الّا بحركة . وقد حللنا هذه الشكوك في تفسيرنا لهذا الكتاب » « 2 » . فيتضح من هنا ان المترجم كان يشرح ويعلق على ما يترجم . ثم إن الكتاب الواحد كان يترجم عدة مرات عن مصادر مختلفة . ولكن تصادف ان بعض المترجمين لم يكونوا ملمين بالفلسفة بقدر ما كانوا ملمين بالطب مثلا أو بالفلك ، لذلك جاءت بعض الترجمات ضعيفة . عجز اللغة : لم تكن اللغة العربية معدة للتعبير عن دقائق العلم والفلسفة ، لذلك كثيرا ما كان المترجم ينقل اللفظة من اللغة الأجنبية إلى اللغة العربية . ليس في الفلسفة فحسب ، بل وفي العلوم المختلفة . فدخلت عن هذا الطريق كلمات كثيرة مثل : فلسفة ، موسيقى ، اسطقس ، جنس ، المجسطي ، جغرافيا ، فنار ، فانوس ، ارخبيل ، الهيولى الخ . . . اما اللغة فقد عرفت أساليب جديدة في التعبير عن الافكار الفلسفية بواسطة مشتقات كان لها ، ولا يزال ، معان خاصة مثل لفظ : الأوليات ، الأين ، البديهيات ، الحدسيات ، الذات ، الانية ، الكيفية ، الماهية ، الخاص ، العام ، الكلي ، الجزئي ، العرض ، الجوهر ، القوة والفعل ، الخ . . . اثر هذا النقل لم يعرف الشرق الاسلامي الحضارة اليونانية الصافية ، التي نشأت في بلاد الإغريق وتطورت فيها ، انما عرفوا الحضارة الهلنية التي نشأت عن تفاعل الفكر اليوناني الأصيل مع الافكار والديانات الشرقية التي تسربت اليه بعد فتح الإسكندر للشرق وخاصة
--> ( 1 ) الدكتور خليل الجر : تاريخ الفلسفة العربية ج 2 ص 29 و 30 ( 2 ) نفس المصدر .